قصيدة حظْر التَّجوُّل

قصيدة حظْر التَّجوُّل 
آدم فتحي

 

 
هُوَ حَظْرُ التَجَوُّلِ؟ يَعْلُو أَزِيزُ الرَّصاصِ فَيَعْلُو صَفِيرِي أدَنْدِنُ أُغْنِيَةً من أغانِيَّ أو مِنْ أَغَانِي إِمامِي الضَّرِيرِ وأَطْوِي ضُلوعِي على كُتُبِي وحَلٍيبِ ابْنِتي وأقُولُ لِصاحِبَتِي لا تَخافِي تَعوَّدتُ مُنْذُ زَمانٍ على كُلِّ هَذِي الأُمُورِ.

يئزُّ الرَّصاصُ. أقُولُ لِصاحِبَتِي هلْ يكونُ الخَلاصُ
قريبًا؟ أردتُ حليبًا وأغنيةً حُرّةً ورغيفًا نظيفًا. 
لماذا الرَّصَاصُ؟ لِيَقْتُلَ وحْشًا؟ عَدُوًّا غريبًا تعدَّى 
على حُرْمةٍ في المكانِ؟ لماذا يئزُّ الرّصاصُ
لُيُرْدِيَ مَنْ قالَ لاَ للهوانِ؟! 
نَمُرُّ بطفْلٍ جريحٍ يُضَمِّدُ فاجعةَ الأرْضِ. أسْمَعُ 
بائِعَةَ البَيْضِ تَصْرُخُ، كادت تَغُوصُ إلى نِصْفِها 
في الدَّمِ الحارِّ. مِنْ كوّةٍ في الحِصَارِ مِنَ الجِهَةِ المَحْضِ 
يظهَرُ طَيْفَانِ. يومئُ لِي صاحبي منْ بعيدٍ 
لعلَّهُمَا مِنْ لُصُوصِ الدّمِ الحُرِّ ينتظرانِ
خُفوتَ الخُطَى وانْهِيارَ المكانِ، أَلَمْ نَرَ بَعْدَ انتِفاضاتِنَا
كَمْ يَفُوزُ اللُّصُوصُ؟ تَمُرُّ الرَّصَاصَةُ بَيْنَهُمَا 
يَكْذِبُ المَوْتُ: بَلْ هِيَ دَقّةُ قلْبٍ تَصَدَّعَ 
أوْ رَفَّةٌ مِنْ جَناحِ المَلاكِ 
تَغُوصُ الرّصاصةُ، تطلعُ مُبْتَلّةً بالهلاكِ 
تُلوِّحُ في النَارِ حامِلةً ما تبقَّى: حياةً أَخَفَّ من النَّارِ 
يقْتربُ الحُلْمُ مِنَّا تَعيشُ البِلاَدُ تَموتُ تَعِيشُ تَكادُ
تُطِلُّ على العيْنِ أشياءُ يرْفُلُ فيها البياضُ السَّوادُ
وأسْمَاءُ غامضةٌ، رُبَّمَا هِيَ أَوْضَحُ مِنْ أنْ تُرَى
ربّما هي صَبْرٌ يُحَشْرِجُ، أو مُمْكِنٌ يَتَوَهَّجُ
أو جَسدٌ خائفٌ أن يَقُصَّ على نفْسِهِ ما جَرَى 
ثمّ ماذا؟ خُطًى تتعثّرُ في لَثْغَةِ الروحِ 
وهي تواجهُ جُثّتهَا في مرايَا القُرَى 
ثمّ ماذا؟ شَرِيطٌ من الموتِ موتٌ بطيءٌ 
تُصاحبُهُ غَفْلَةُ الكامِيرَا 
مَوْتُ حُلْمٍ يَمُوتُ ويمضي بما لا يموتُ 
إلى فَرَحٍ يَتَعَلَّمُ أَنْ يَتَحَقَّقَ حِيَنَ يَعِدْ
*
مَشْهَدٌ يتعرَّى بِنَا واضحًا فاضحًا
حيثُ لا أحَدَ الآنَ يُخْفِيهِ عُرْيُ أَحَدْ
*
بلَدٌ يحْمِلُ الآنَ صخْرةَ أحلامهِ صاعِدًا للأبِدْ
بلدٌ يَقِفُ الآنَ وقْفَتَهُ مثْلَ صارِيَةٍ تَتَّقِدْ
مثْل جِذْعٍ عَرِيقٍ على حافةٍ تَبْتَعِدْ
وَهْوَ يُوغِلُ في عَدَمِ المَوْتِ كانَ يَرَى
عَسَسًا لابِدِينَ وقَنَّاصَةً كامِنِينَ ولَكِنَّهُ
لاَ يُفرِّطُ في حُلْمِهِ لِأَحَدْ
*
بَلَدٌ يِقِفُ الآنَ في عُزْلةِ الأنْبِياءْ
لاَ لِيَبْحَثَ عَنْ خاتَمٍ المُلْكِ 
أو يتسلّقَ صارِيَةَ الفُلْكِ
أو يُخْبِرَ الدَّمَ حين يجيءُ قراصنةُ الدَّمِ
عَمَّنْ سَيَلْعَبُ في شَعْبِهِ دَوْرَ كَبْشِ الفِداءْ
بلْ ليَسْتَقْبِلَ المَوْتَ عنَّا، وأَدْنَى كَرَاماتِهِ 
أنْ يُوارِيَ سَوْءَتَنَا في العَرَاءْ
*
هُوَ حَظْرُ التَجَوُّلِ؟ أَطْوِي ضُلُوعِي 
على كُتُبِي وحَلٍيبِ ابْنِتي
وأقُولُ لِصاحِبَتِي لا تَخافِي 
تَعوَّدتُ مُنْذُ زَمانٍ على كُلِّ هَذِي الأُمُورِ
وهل غيْرُ حَظْرِ التَّجَوُّلِ يُحْكِمُ قْبْضَتَهُ
دجلاً ورَصاصًا على أُفْقِنَا طُولَ هذِي الدُّهُورِ؟ 
وهلْ غيْرُ حَظْرِ التَّجَوُّلِ في الصَّحْوِ والنَّوْمِ 
والفِكْرِ والحُلْمِ والأمْسِ واليَوْمِ 
يَحْكُمُنا مُنْذُ خَمْسِينَ عامًا 
بِنَفْسِ العَمَى المُسْتَطِيرِ؟
*
يئزُّ الرَّصاصُ. أراهم يموتون في شَهْقَةِ الوَرْدِ 
بنْتًا وأمًّا وطفلاً وشيْخًا. أقولُ لصاحبتي
هل يكونُ الخلاصُ قريبًا؟ أصُرُّ يديَّ على الجَمْرِ في البَرْدِ
أَطْوِي ضُلوعي على كُتُبي وحَلِيبِ ابْنَتِي 
وأخافُ على دَمْعَتِي أنْ تَسِيل فيشْمُتَ جلاَّدُهُم فِيَّ
أسْمَعُ وَقْعَ المَخالِبِ وهي تصُبُّ الرَّصاصَ 
على الياسَمِينِ المُحارِبِ في المَهْدِ واللَّحْدِ والقُرْبِ والبُعْدِ 
أسألُ صاحبتي هل نعيشُ ولو لحظةً بعْدَ جلاّدِنا؟ هل تُحاسِبُ تونسُ يومًا فُلُولَ الذِّئاب التي شربت دَمَ أولادنا؟ هل نراهَا تعيشُ وقدْ وُلِدَتْ لِلحَيَاةِ ولَمْ تَدْعُ بِالمَوْتِ يَوْمًا على أَحَدٍ 
لَمْ تَقُلْ إنِّهَا ستَنَالُ مِنَ المَوْتِ أو تَتَعَالَى على المَوْتِ 
لَمْ تَتَودَّدْ إلى المَوْتِ لَمْ تَسْرِقِ المَوْتَ مِنْ أَحَدٍ 
فلماذا تُرى أَخَذُوهَا إلى المَوْتِ خَمْسِينَ عامًا 
ولمْ يسْتشيرُوا زَرَازِيرَها وبَزاوِيشَها 
ودراويشَهَا وحَرافِيشَها 
والثَّقِيلَ الطَّوِيلَ على نَمْلِها
والقَلِيلَ الكثِيرَ على رَمْلِها
والصباح الذي ماتَ أكثر من مرّة وهو في حجْرِها، 
مثْلَ طِفْلٍ يُزَقْزِقُ بَيْنَ يدَيْ أُمِّهِ
ويَحُلَّ سُيُورَ الحذاءْ؟
*
هُوَ حَظْرُ التَجَوُّلِ؟ يَعْلُو أَزِيزُ الرَّصاصِ 
فَيَعْلُو هدِيرِي
أدَنْدِنُ أُغْنِيَةً من أغانِيَّ أو مِنْ أَغَانِي إِمامِي الضَّرِيرِ
وأَطْوِي ضُلوعِي على كُتُبِي وحَلٍيبِ ابْنِتي 
وأقُولُ لِصاحِبَتِي لا تَخافِي 
تَعوَّدتُ مُنْذُ زَمانٍ على كُلِّ هَذِي الأُمُورِ
إلى أَيْنَ يَمْضُونَ؟
ماذَا يُرِيدُونَ؟
أَنْ يتثاءَب سُوقُ البِلاطِ بُعَيْدَ الغُرُوبِ
وأنْ يتَوَقَّفَ بابُ سُويْقَةَ عنْ نَبْضِهِ في القُلوبِ 
وأَنْ يَقِفَ البَحْرُ في بَابِهِ كالأسِيرِ
وأَنْ يَتَعَلَّمَ بُولِيسُ شارِعِ بَارِيسَ مِن أُمِّهِ
كَيْفَ يبْرَعُ في كَسْرِ ظَهْرِي الصَّغِيرِ
وأَنْ يَتَكَسَّلَ بَابُ الجَدِيدِ وليس على بابِهِ من جديدٍ
سوِىَ حُلُمٍ يتَكَسَّرُ مِنْ تحْتِ حُلْمٍ كَسِيرِ؟
وحَيُّ ابْنِ خَلْدُونَ، والإنْطلاقةُ، والسَّبْخَةُ الملْحُ
والحُفَرُ الجرْحُ، 
هلْ تَتَمَدَّدُ في بِيجَماهَا الحَدِيدِ مُغَطِّيَةً رأسَهَا باِالشَّخِيرِ؟
لِتُونسَ أنْ تَكْسِرَ اليوْمَ حَظْرَ التّجَوُّلِ 
من بعِد حَظْرِ احْتِجاجِ الصُّخُورِ
وَحَظْرِ الكَلاَمِ وحَظْرِ السُّؤالِ وحَظْرِ اخْتِلاَجِ الشُّعُورِ؟ 
إلى أينَ يَمْضُونَ يا لَيْلَ تُونسَ يا مِحْنَتِي ونَصِيرِي
ويا صاحِبِي وعَدُوِّي وغَيْبُوبَتِي ونَفِيرِي؟
إلى أيْنَ يمْضُونَ؟
فَجْرُكَ لاَحَ،
ولَنْ يَقِفَ الطَّيْرُ عَنْ شدَوْهِ وهو يُذْبَحُ
لَنْ يَقِفُ النَّهْرُ عَنْ عَدْوِهِ وهو يُكْبَحُ
لنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ حسْبَ قرارِ الأميرِ
*
أقولُ لِتونسَ، أمِّي وصاحِبتِي وذراعي وسُورِي
وصاريتي وشراعي، أقولُ لتونس لا تقفي 
عنْدَ نِصْفِ الطَّرِيق ولا تَسْتَدِيري
وإنْ صَرَخُوا في الظَّلامِ ‘قِفِي’!
لا تُبَالِي وسِيرِي
لِشَعْبِكِ أَنْ يَرْفَعَ الرَّأْسَ أَعْلَى
ولِلحُلْمِ أنْ يَتَجَلَّى
جَناحًا عِريقَ الجُذُورِ
فأَهْلاً بِحَظْرِ التَّجَوُّلْ
وَلَوْ بَيْنَ أَهْلِ القُبُورِ
وأَهْلاً بِحَظْرِ التَّبَوُّلْ
على جُدُرانِ القُصُورِ
وأَهْلاً بِحَظْرِ التَّنَفُّسْ
وحَظْرِ الكَلامِ الجَسُورِ 
وأهْلاً بِحَظْرِ التَّلَبُّسْ
بإِعْلاءِ صَوْتِ الضَّمِيرِ
وعُقْبَى لحَظْرِ التَّحَرُّشْ
بِأحْلامِنَا في الصُّدُورِ
وحَظْرِ الفَسَادِ المُعَشِّشْ
وحظْرِ الرِّشَى والفُجُورِ
وحظْرِ الغدِ المُتَلَصِّصْ
على أمْسِنا في السَّرِيرِ
وحَظْرِ الرَّصاصِ المُخَصَّصْ
لِقَتْلِ الرَّجَاءِ الأخيرِ

 alt


التصنيف : فن و هوايات

اترك تعليقا :

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.

كل الحقوق محفوظة ل المناضلون الأحرار

استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل